الراغب الأصفهاني
23
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقيل لفيلسوف ما الصديق ؟ فقال : اسم على غير معنى . قال أبو فراس « 1 » : نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة * أجاب إليها عالم وجهول فيا حسرتي من لي بخلّ موافق * أقول بشجوي مرّة ويقول قال الصابئ « 2 » : أيا ربّ كلّ الناس أولاد علّة * أما تغلط الدنيا لنا بصديق وجوه بها من مضمر الغلّ شاهد * ذوات أديم في النّفاق صفيق « 3 » التخويف من دغل الإخوان قال أعرابي : اللهمّ اكفني بوائق « 4 » الثقات والاغترار بظاهر المودّات . وقال آخر : اللهم احفظني من الصديق . فقيل : كيف ؟ قال : لأني متحرّز من العدوّ . قال علي بن عيسى : احذر عدوّك مرّة * واحذر صديقك ألف مرّة فلربّما انقلب الصديق * فكان أعلم بالمضرّة وقيل : احذر من تأمنه ، فودائع الناس لا تضيع إلا عند الثقات . وقيل : قلّ من يؤذيك إلا من تعرفه . ذمّ من يستعدّ حين الصداقة للعداوة ذمّ العبّاس رجلا فقال هو يترصّد في صداقته ما يتوثّب به في عداوته . قال شاعر : احذر أخوّة كلّ من * شاب المرارة بالحلاوه يحصي الذنوب عليك * أيام الصداقة للعداوه قلّة نفع مودة مكرهة فلا خير في ودّ امرئ متكاره * عليك ولا في صاحب لا توافقه وقال آخر : ألا إنّ خير الودّ ودّ تطوّعت * به النفس لا ودّ أتى وهو متعب ذم من يضمر عداوة ويظهر صداقة قال بعضهم : تظن فلانا يضحك لك وهو يضحك منك فإن لم تتخذه عدوا في
--> ( 1 ) أبو فراس الحمداني ( 932 - 968 ) ولد في الموصل هو ابن عمّ سيف الدولة صاحب حلب الذي قلّده إمارة منبج . أسره البيزنطيون أربع سنوات . استولى على حمص بعد وفاة سيف الدولة فقتل : أشهر قصائده : « الروميّات » . ( 2 ) الصابئ : إسحاق إبراهيم ( 925 - 994 ) كاتب حرّاني خدم بني بويه . اشتهر برسائله . له ديوان شعر . ( 3 ) الغلّ : الحقد والكراهية والغشّ . ( 4 ) البوائق : جمع بائقة وهي الشرّ .